عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

42

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

في سورة « الأنبياء » : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] فقرأه بفتح الياء وضم الزاي ، وثبت : أن الإمام أبا جعفر قرأ هذا اللفظ في جميع مواضعه بفتح الياء وضم الزاي إلا موضع « الأنبياء » فقرأه بضم الياء وكسر الزاي ، وكلا الإمامين مقتف للأثر متبع للرواية . فلو صح أن منشأ القراءات تجريد المصاحف من شكل الحروف وحركاتها لكانت هاتان القراءتان في كل موضع ، واللغة تجيز كلتا القراءتين . وفي القرآن الكريم كلمات أخرى غير معجمة ولا مشكولة ، ورسمها كذلك يجعلها محتملة لقراءات متعددة ، واللغة العربية تجيز فيها هذه القراءات ، ومع ذلك لم يختلف فيها القراء ، بل اتفقوا على قراءتها بقراءة واحدة ؛ لأنه لم يرد فيها بالسند القوى ، والأثر الثابت والنقل الموثق ، إلا هذه القراءة ، وأما غيرها من القراءات التي يحتملها الرسم فليس له سند يعتمد عليه ، وأصل يرد إليه ؛ فلم يقرأ به أحد ، ومن أمثلة ذلك : أولا : « خطف يخطف » جاء في لغة العرب : أن فيها لغتين ، خطف يخطف - من باب علم يعلم وخطف يخطف من باب عمد يعمد ، ولكن القراء أجمعوا على قراءتها بكسر الطاء في الماضي ، وفتحها في المضارع . ثانيا : « مكث » في قوله تعالى في سورة « الإسراء » : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [ الإسراء : 106 ] - : اللغة تجيز فيها تثليث الميم ، ورسمها يحتمل الأوجه الثلاثة ، لكن القراء أجمعوا على قراءتها بضم الميم ، فلو كانت القراءات بالرأي والاختيار ، وكان خلو الكلمات من الشكل سببا في اختلاف القراءات وتنوعها - لاختلف القراء في قراءة الكلمات السابقة ، فكان منهم من يقرأ « خطف يخطف » من باب علم ، ومنهم من يقرؤها من باب ضرب ، وكان منهم من يقرأ « على مكث » بضم الميم ، ومنهم من يقرأ بفتحها ، ومنهم من يقرأ بكسرها ، ولكن القراء أجمعوا على قراءة خطف - بالكسر - يخطف بالفتح ، وعلى قراءة « على مكث » بالضم ؛ فحينئذ لا تكون القراءات بالرأي والاختيار ، ولا بالهوى والاجتهاد ، ولا يكون تجرد المصاحف من الشكل سببا في تنوع القراءات واختلافها ، إنما سبب التنوع والاختلاف ، الروايات الصحيحة ، والأسانيد الموصولة ؛ والنقول الصريحة ، والتوقيف ، والتلقي ، والسماع .